محمد جمال الدين القاسمي
433
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
في الإنجيل المذكور ( وإني وإن كنت بريا ، لكن بعض الناس لما قالوا في حقي إنه اللّه وابن اللّه ، كره اللّه هذا القول واقتضت مشيئته بأن لا تضحك الشياطين يوم القيامة عليّ ولا يستهزءون . فاستحسن بمقتضى لطفه ورحمته أن يكون الضحك والاستهزاء في الدنيا بسبب موت يهوذا . ويظن كل شخص أني صلبت . لكن هذه الإهانة والاستهزاء تبقيان إلى أن يجيء محمد رسول اللّه . فإذا جاء في الدنيا ينبه كل مؤمن على هذا الغلط . وترتفع هذه الشبهة من قلوب الناس ) . وقد استشهد العلامة ( سيل ) الإنكليزيّ ، المشهور في أوروبا بترجمة المصحف الشريف ، بهذه الآية الإنجيلية ، تفسيرا لقوله تعالى في سورة آل عمران : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ آل عمران : 54 ] وإنجيل برنابا أثبته العلماء قبل الإسلام بنحو ثلاثمائة سنة . حتى أن العالم الإنكليزي ( تولاند ) قال : وعلى النصرانية السلام ، بمجرد رؤيته هذا الإنجيل . ثم قال : قال العلامة ( هيردر ) وجماعة آخرون : إن الإنجيل الأصليّ كان واحدا . إلا أنه لم يكتب . بل قاله المسيح مشافهة . ورواه الحواريون عنه للناس شفاهيّا أيضا . فحفظ الخلق منه بعض أقوال أضافوا إليها ما استحسنوه من السير والقصص . ونقصوا منها ما لم يوافق أذواقهم . وما زالت تنتقل الروايات المختلفة من شخص إلى آخر ، ومن زمن إلى غيره حتى تشعبت ، وكتب أخيرا منها أناجيل شتى ، فاختارت الكنائس منها أربعة جعلتها الرسمية . ثم قال مؤلف ( السيوف البتارة ) : فوضح وضوحا تامّا لذي بصيرة ، أن الحجة على دعوى صلب المسيح قد سقطت سقوطا لا تقوم بعده أبدا . سواء من جهة التاريخ الصحيح الذي دحضها وخذل مدعيها بأجلى برهان ، أو من جهة الأناجيل المعتبرة عندهم . لذهاب أصلها أدراج الرياح ، بثبوت التحريف والتغيير لها . ثم قال : وأما قوله ( يعني المذبذب ) . بأن طوائف النصارى الرافضة للصلب هراقطة - فغريب . لأنهم مثله في العقيدة لا يمتازون إلا بإنكارهم الصلب الحقيقيّ للمسيح . وهل الاقتصار ، في الرد من باحث ، على قوله ( كفرة ) يعد من باب نقض الدليل بالدليل وتزييف الحجة بالحجة ؟ أو من باب المكابرة في المحسوس والانقطاع عن المناظرة للعجز الواضح . وإذا جاز إطلاق ( كفرة ) على هؤلاء وهم أمناء النصرانية واليهودية - جاز أن تصف بهذه الصفة كل يهوديّ ونصرانيّ . وحينئذ لا يصح احتجاجك بإجماعهم ولا بشيء من آرائهم . وتكون في ردك بكلمة ( هراقطة . كفرة ) أشبه بمن اقتصر في مناظرة خصمه على كلمة ( لا ) فقط . فهو يكررها ولا يسأم من الرد بها .